أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالجديدة الستار على واحدة من أبرز القضايا العقارية والمالية التي شغلت الرأي العام المحلي لسنوات، بإصدار حكمها في الملف المعروف إعلامياً بـ“مصنع 40 مليار”.
وأدانت الهيئة القضائية موثقاً إلى جانب مستثمرين أجنبيين، أحدهما تركي والآخر أردني، حيث قضت في حق كل واحد منهم بخمس سنوات سجناً نافذاً، على خلفية تورطهم في تزوير محرر رسمي واستعماله بسوء نية، في سياق صفقة بيع أكبر مصنع للنسيج بالمدينة.
وتعود وقائع القضية إلى سنة 2013، حين اضطر المالك الأصلي إلى تفويت المصنع بسبب ديون متراكمة فاقت 40 مليار سنتيم. غير أن مسار هذه الصفقة، التي كان يُفترض أن تتم وفق ضوابط قانونية دقيقة، انحرف نحو مسار جنائي معقد، بعدما تبين أن العقد الرسمي أغفل الإشارة إلى هذه الديون رغم أهميتها في بنود الاتفاق.
وكشفت التحقيقات عن وجود اختلالات وشبهات قوية في الوثائق المعتمدة لنقل الملكية، خاصة محاضر الجموع العامة، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً أساسياً على قيام جريمة التزوير في محرر رسمي.
ويعيد هذا الحكم إلى الواجهة مسألة الثقة في مهنة التوثيق، باعتبارها ركيزة أساسية لضمان أمن المعاملات، كما يسلط الضوء على التحديات التي قد تواجه المستثمرين، خصوصاً في الصفقات الكبرى ذات التعقيد القانوني والمالي.
ويرى متابعون أن القرار القضائي يحمل رسائل واضحة، من بينها التشدد في التصدي للتلاعب بالوثائق الرسمية، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب التأكيد على حرص القضاء على حماية الملكية وضمان شفافية المعاملات.
كما يفتح هذا الملف الباب أمام نقاش أوسع حول ضرورة تعزيز آليات المراقبة والتأطير القانوني لمهنة التوثيق، وتحديث الترسانة التشريعية المرتبطة بالعقار والاستثمار، بما يحد من استغلال الثغرات القانونية ويعزز ثقة المستثمرين على المستويين الوطني والدولي.
وبين إغلاق صفحة قضائية معقدة واستمرار تداعياتها، تظل قضية “مصنع 40 مليار” نموذجاً بارزاً لتعقيدات النزاعات العقارية الكبرى، ودليلاً على أهمية اليقظة القانونية في حماية الحقوق وصون الاستثمارات.







