مستجدات

أحكام مشددة في قضية “التسفير” بتونس: 34 سنة سجناً لعلي العريض

أحكام مشددة في قضية “التسفير” بتونس: 34 سنة سجناً لعلي العريض

مراسلة تونس

أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، مساء الجمعة، أحكاماً ابتدائية بالسجن تراوحت بين 18 و36 سنة في حق ثمانية متهمين في ما يعرف إعلامياً بـ”قضية التسفير إلى بؤر التوتر”، وهي القضية التي أثارت اهتماماً واسعاً في الشارع التونسي نظراً لحجم الشخصيات المتورطة فيها.

ومن أبرز من صدرت في حقهم الأحكام، رئيس الحكومة ووزير الداخلية الأسبق ونائب رئيس حركة النهضة علي العريض، الذي حُكم عليه بـ34 سنة سجناً، وفق ما أكدته وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) نقلاً عن المساعد الأول لوكيل الجمهورية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب.

كما شملت الأحكام عدداً من المسؤولين السابقين، من بينهم الرئيس الأسبق لفرقة حماية الطائرات، وقيادات أمنية متهمة بالتورط في تسهيل سفر تونسيين إلى مناطق النزاع خارج البلاد. وأُرفقت جميع الأحكام بإجراءات مراقبة إدارية لمدة خمس سنوات بعد انتهاء مدة العقوبة السجنية.

وبحسب ما أفادت به النيابة العامة، فإن المتهمين أُحيلوا على القضاء في يناير 2024، ووجهت إليهم تهم خطيرة، منها استخدام التراب التونسي لارتكاب جرائم إرهابية ضد دولة أجنبية ومواطنيها، وتجنيد أفراد وإرسالهم خارج البلاد لغايات إرهابية، فضلاً عن المساعدة في مغادرة التراب الوطني سواء بطرق قانونية أو خلسة، والتحريض على السفر إلى الخارج لارتكاب أعمال إرهابية.

وتعد هذه القضية من أبرز الملفات التي تصدرت المشهد القضائي التونسي خلال السنوات الأخيرة، نظراً لتقاطعها مع فترة سياسية حساسة شهدت خلالها البلاد موجات متتالية من التحاق مواطنين تونسيين بتنظيمات مسلحة في مناطق النزاع، وخاصة في سوريا والعراق.

ويُتوقع أن تثير هذه الأحكام موجة من الجدل السياسي والقانوني في البلاد، لا سيما في ظل نفي المتهمين، وفي مقدمتهم علي العريض، للتهم المنسوبة إليهم، واعتبارها ذات طابع سياسي، في مقابل تشديد السلطات القضائية على استقلالية المسار وإحالة الملف وفق ما ينص عليه قانون مكافحة الإرهاب.

كما من المنتظر أن تُستأنف هذه الأحكام في المراحل القضائية اللاحقة، ما يُبقي القضية مفتوحة على تطورات قد تحمل أبعاداً سياسية وقانونية إضافية خلال الأشهر المقبلة.

جاءت هذه الأحكام في ظل أجواء سياسية متوترة تعيشها تونس، وسط تجاذبات حادة بين السلطة التنفيذية وعدد من الأحزاب، خاصة تلك التي كانت في صلب المشهد السياسي خلال العقد الماضي. ويتوقع مراقبون أن تثير القضية ردود فعل قوية من داخل حركة النهضة التي ينتمي إليها علي العريض، حيث دأبت الحركة على وصف هذه المحاكمات بأنها “ذات خلفيات سياسية” و”محاولة لتصفية الخصوم“.

من جهتها، تواصل السلطات القضائية التأكيد على أن الملفات المعروضة أمام المحاكم تُنظر فيها بناءً على معطيات قانونية ووقائع مثبتة، لا على أساس الانتماءات الحزبية أو المواقف السياسية، مشددة على أن القضاء مستقل ويشتغل وفق الضوابط التي يكفلها الدستور وقانون مكافحة الإرهاب.

تُعيد قضية “التسفير” إلى الواجهة مرحلة دقيقة من تاريخ تونس الحديث، حين كانت البلاد تمر بتحولات أمنية وسياسية عميقة بعد 2011. وقد تعرضت حينها لانتقادات واسعة بسبب ما اعتبره البعض تساهلاً أو تغاضياً عن شبكات استقطاب الشباب وإرسالهم إلى بؤر التوتر، في وقت كانت فيه بعض الأجهزة والمؤسسات في طور إعادة التشكيل.

ويؤكد محللون أن هذه المحاكمات لا تقتصر على الجانب الجنائي فحسب، بل تحمل أبعاداً رمزية تعكس محاولة الدولة التونسية مراجعة تلك المرحلة وتحديد المسؤوليات السياسية والمؤسسية، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من عودة خلايا نائمة أو تأثيرات أمنية مرتبطة بالإرهاب العابر للحدود.

تسعى تونس، من خلال هذه المحاكمات، إلى تعزيز صورتها كشريك جاد في الحرب الإقليمية والدولية ضد الإرهاب، ورسالة واضحة بأن الإفلات من العقاب لم يعد مقبولاً، بغض النظر عن صفة أو منصب أي متورط.

وتبقى أعين الرأي العام الوطني والدولي مسلطة على ما ستؤول إليه مراحل الاستئناف، وسط مطالبات بمزيد من الشفافية في الإجراءات، وضمان المحاكمات العادلة، في إطار احترام القانون والحقوق الأساسية.

 

الاخبار العاجلة