مستجدات

انتقادات الإعلام الجزائري في تغطية المباريات الكروية بوصلة تائهة

طاقم ALLNEWS1 يناير 2026
انتقادات الإعلام الجزائري في تغطية المباريات الكروية بوصلة تائهة

هاشــم الخياطــي

لم تعد تغطية بعض وسائل الإعلام الجزائرية للمباريات الكروية مجرد متابعة رياضية، بل تحولت إلى مسرح خطابي مشحون، تتداخل فيه السياسة بالتشويش، والرياضة بالبروباغندا. خطابٌ يرى فيه المراقبون توجهاً مقصوداً نحو “الاستهلاك الداخلي”، هدفه الإبقاء على الجمهور الجزائري منشغلاً بمعارك وهمية، وصرفه عن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين تذهب أموال الغاز والبترول، بينما المغرب، الذي لا يملك هذه الثروات، يتفوق في شتى الميادين؟

في كل مباراة يكون المغرب طرفاً فيها، أو حتى مجرد ذكر اسمه، تُستدعى قاموس التهكم والتشكيك، وتُفعَّل “انتقالات” خطابية سريعة من التعليق الرياضي إلى الإيحاء السياسي، ومن تحليل اللعب إلى تصفية الحسابات. وكأن الكرة لم تعد كرة، بل ذريعة لتنفيس احتقان مزمن، وتدوير أسطوانة قديمة لم تعد تقنع حتى جمهورها المحلي.

في الجهة المقابلة، يختار المغرب طريقاً مختلفاً. لا ضجيج ولا ردود انفعالية، بل عمل متواصل ونتائج ملموسة. بينما يغرق الإعلام الجزائري في أوحال الصور المفبركة وتقنيات “الذكاء الاصطناعي” البدائية، يرد المغرب بلغة الأرقام والواقع الذي يُرى بالعين المجردة:
ملاعب حديثة تُشيَّد، بنية تحتية تتوسع، تنظيم محكم، وطموح يتجاوز حدود القارة ليحجز مكانه في الساحة العالمية.

إن هذا الحقد الدفين، الصادر عن حكام معزولين دولياً، لن يغير من الحقائق شيئاً. فالتاريخ لا يحفظ الصراخ، ولا يؤرشف الشتائم، بل يسجل الإنجازات. وإذا كان إعلام العسكر قد اختار أن يحوّل بلده إلى مادة للسخرية، فإن المغرب يواصل مساره بثبات، مؤمناً بأن “حقدهم هو مصدر كلماتهم، أما نحن فلدينا ما هو أقوى من الضجيج… لدينا الواقع”.


عندما يثور الشعب على إعلامه الرسمي، ويسخر من بروباغندا نظامه، فاعلم أن المشكلة لم تكن يوماً في “الخارج”، بل هي أزمة شرعية وبوصلة تائهة في ممرات قصر المرادية المظلمة.

وإذا كان هذا الخطاب الإعلامي المتشنج قد اعتاد الاختباء خلف “التحليل الرياضي”، فإن الواقع بات يفضحه أكثر من أي وقت مضى. فوسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تعد خاضعة للرقابة الكاملة، كشفت حجم السخرية التي بات يواجهها هذا الإعلام داخل الجزائر نفسها. تعليقات جزائريين، بمرارة واضحة، تتساءل: لماذا نُهزم في كل شيء تقريباً، بينما نُمنّى النفس بانتصارات وهمية تُصنع في الاستوديوهات لا في الميادين؟

لقد أصبح المعلق الرياضي الجزائري ، في كثير من الحالات، يؤدي دور “الناطق غير الرسمي” باسم خطاب سياسي متآكل، يُعاد تدويره كلما ضاق هامش الإقناع. فبدل الاعتراف بالاختلالات البنيوية في التسيير، وبدل فتح نقاش وطني صريح حول الثروة والعدالة الاجتماعية، يتم اللجوء إلى شماعة الخارج، وإلى المغرب تحديداً، كحل جاهز لكل فشل داخلي.

في المقابل، لا يحتاج المغرب إلى تلميع صورته عبر التعليق على إخفاقات الآخرين. نجاحه في تنظيم التظاهرات الكبرى، واستقطاب الثقة الدولية، وتراكم إنجازاته في الرياضة والبنية التحتية والدبلوماسية، كلها حقائق تفرض نفسها دون حاجة إلى مكبرات صوت. الفرق شاسع بين بلد يصنع الحدث، وآخر يعلّق عليه بحنق.

والأخطر في هذا الخطاب ليس فقط تشويهه للرياضة، بل إسهامه في تعميق القطيعة بين الشعوب، عبر زرع أوهام العداء وتغذية مشاعر مصطنعة، بينما الواقع يقول إن الشعوب المغاربية تشترك في هموم واحدة وطموحات متشابهة. غير أن بعض الأنظمة، حين تعجز عن تقديم الأجوبة، تختار الهروب إلى الأمام وصناعة “عدو إعلامي” تلوّح به كلما اشتد الضغط.

في النهاية، ستبقى الكرة مجرد كرة، مهما حاولوا تحميلها ما لا تحتمل. وسيبقى الواقع أقوى من أي خطاب متشنج، وأصدق من أي “تركيبة” إعلامية عابرة. فالإعلام الذي لا يحترم وعي شعبه، ولا يثق في قدرته على طرح الأسئلة الحقيقية، محكوم عليه بأن يفقد مصداقيته… آجلاً أم عاجلاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة