مستجدات

هل سبتة ومليلية تشعلان التوتر الدبلوماسي بين الرباط ومدريد؟

طاقم ALLNEWS5 نوفمبر 2026
هل سبتة ومليلية تشعلان التوتر الدبلوماسي بين الرباط ومدريد؟

المغرب يرفض شرعنة الأمر الواقع الاستعماري

هاشــم الخياطــي

تعود قضية سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما إلى واجهة التوتر الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، في ظل استمرار الخلاف حول الوضع القانوني والسيادي لهذه المناطق، وتجدد التحركات الإسبانية الرامية إلى تأكيد السيادة عليها، مقابل تمسك الرباط بموقفها التاريخي والثابت الذي يعتبر المدينتين جزءا من التراب الوطني المغربي، وملفا سياديا لا يسقط بالتقادم ولا يمكن تجاوزه بالممارسات البروتوكولية أو فرض سياسة الأمر الواقع.

وتعيد التحركات الإسبانية الأخيرة، المرتبطة بزيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة خلال أكتوبر 2026، طرح تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، وحدود التوفيق بين الشراكة الاستراتيجية والتعاون الأمني والاقتصادي من جهة، واستمرار الخلاف حول المدينتين من جهة أخرى. فالمغرب، الذي يراهن على علاقات جوار قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا يعتبر تأكيد السيادة الإسبانية من خلال الزيارات الرسمية والمواقف الرمزية حلا للنزاع، ولا يرى في هذه الخطوات تغييرا من طبيعة مطالبه التاريخية.

ويستند الموقف المغربي إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية، باعتبار سبتة ومليلية مدينتين تقعان على الساحل الشمالي للمملكة المغربية ، وترتبطان بها بامتداد جغرافي وبري، في حين تفصل بينهما وبين شبه الجزيرة الإيبيرية مسافة بحرية. ومن هذا المنطلق، يظل الملف حاضرا في الخطاب السياسي والدبلوماسي المغربي، باعتباره أحد الملفات المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية للمملكة، وليس مجرد خلاف عابر حول الحدود أو الترتيبات الإدارية.

ولم تكن المطالب المغربية وليدة التطورات الراهنة، بل تعود إلى عقود من العمل الدبلوماسي. ففي يناير 1987، بادر الملك الراحل الحسن الثاني إلى اقتراح تشكيل لجنة مشتركة من الخبراء المغاربة والإسبان لدراسة ملف سبتة ومليلية والبحث عن تسوية بشأن مستقبلهما، في خطوة عكست استعداد الرباط لمعالجة القضية عبر الحوار والتفاوض. غير أن الحكومة الإسبانية لم تتحمس للمبادرة، واعتبرت حينها أن إنشاء لجنة مشتركة للتشاور بشأن المدينتين غير وارد.

وعلى امتداد السنوات اللاحقة، ظل الخلاف قائما رغم تطور العلاقات الثنائية وتوسع مجالات التعاون بين البلدين، من مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة إلى التنسيق الأمني والتبادل التجاري. كما استمرت المطالب المغربية بشأن المدينتين والجزر التابعة لهما في الحضور ضمن المواقف السياسية والمدنية، باعتبارها جزءا من النقاش المتعلق بتصفية الإرث الاستعماري في المنطقة.

وتكتسب زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026 أهمية خاصة، باعتبارها أول زيارة لهاتين المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، والأولى لملك إسباني منذ زيارة خوان كارلوس سنة 2007. وخلال وجوده في سبتة، أكد العاهل الإسباني أن المدينتين لا تنفصلان عن الواقع السياسي والوطني لإسبانيا، في تصريح عكس تمسك مدريد بموقفها السيادي، بينما ظلت الرباط متمسكة بمطالبها التاريخية.

لكن اللافت في التعامل المغربي مع الزيارة الأخيرة هو اعتماد قدر كبير من التحفظ الرسمي، خلافا لما حدث سنة 2007، حين استدعت الرباط سفيرها من مدريد وصدرت مواقف احتجاجية مباشرة. وقد رصدت تقارير إعلامية غياب رد رسمي مغربي مباشر على الزيارة، مقابل تسجيل انتقادات واسعة في الصحافة والأوساط المدنية والسياسية المغربية، التي اعتبرت الخطوة الإسبانية استفزازا للمطالب الترابية للمملكة.

وفي هذا السياق، أعادت فعاليات حقوقية ومدنية مغربية طرح ضرورة بلورة استراتيجية وطنية واضحة للدفاع عن المطالب المتعلقة بسبتة ومليلية والجزر التابعة لهما، عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية والسلمية، مع الدعوة إلى إعادة الملف إلى واجهة النقاش السياسي والدولي، وعدم تركه رهينة المواقف الظرفية أو الحسابات الثنائية.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في العلاقات المغربية الإسبانية؛ فبينما تحتاج مدريد إلى استمرار التعاون مع الرباط في ملفات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي، لا يزال الخلاف حول سبتة ومليلية حاضرا بقوة في خلفية العلاقة بين البلدين. وهو ما يجعل احترام المصالح المتبادلة وتجنب الخطوات الأحادية والرمزية ذات الحمولة السياسية من الشروط الضرورية للحفاظ على الشراكة الثنائية.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الزيارات الرسمية ولا في رفع الأعلام والخطابات السيادية، بل في قدرة البلدين على معالجة الملفات العالقة بشجاعة سياسية وواقعية دبلوماسية. فالقضايا المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة الوطنية لا تختفي بمجرد تجاهلها، كما أن الشراكات الاستراتيجية لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لتأجيل الخلافات الجوهرية إلى أجل غير مسمى.

وبين تمسك إسبانيا بموقفها الرافض لأي نقاش حول السيادة، واستمرار المغرب في المطالبة بفتح هذا الملف، تظل سبتة ومليلية واحدة من أعقد القضايا العالقة في العلاقات بين البلدين. أما الاختبار الحقيقي أمام مدريد والرباط، فيبقى هو الانتقال من تبادل الرسائل السيادية إلى حوار سياسي مسؤول، يراعي التاريخ والجغرافيا ومصالح السكان، ويبحث عن معالجة سلمية لقضية لم تنجح عقود من الصمت والمواقف المتعارضة في إغلاقها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة