تزامناً مع ترويج بعض المحللين في موريتانيا، وتناول وسائل إعلام جزائرية لمعطيات مرتبطة بمنطقة الگويرة، عادت إلى الواجهة وثيقة رسمية صادرة عن الأمم المتحدة تحمل الرقم A/34/427 وS/13503، لتسلّط الضوء من جديد على الموقف القانوني الذي أعلنته نواكشوط أواخر سبعينيات القرن الماضي بشأن نزاع الصحراء.
الوثيقة تتضمن رسالة مؤرخة في 18 غشت 1979، وجّهها الممثل الدائم لموريتانيا لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام، يؤكد فيها الانسحاب الرسمي والنهائي لبلاده من النزاع، مع التشديد على تمسّكها بحدودها الدولية كما كانت عند الاستقلال سنة 1960، وفق ما خلّفته الإدارة الاستعمارية الفرنسية.
وجاء هذا الإعلان في أعقاب الاتفاق الذي تخلّت بموجبه موريتانيا عن منطقة وادي الذهب، والتي كانت تتولى إدارتها استناداً إلى اتفاق مدريد لسنة 1975 الموقّع مع المغرب وإسبانيا. وفي السياق نفسه، دخلت القوات المغربية الإقليم، منهيةً الوجود الموريتاني فيه.
وتُبرز الرسالة الأممية أن موريتانيا أقرت صراحة بتخليها عن أي مطالب أو روابط قانونية خارج حدودها المعترف بها دولياً، وهو ما يُفهم منه – بحسب متابعين – أن أي حديث معاصر عن “حق موريتاني” في الگويرة لا يستند إلى سند قانوني مُسجَّل لدى الأمم المتحدة.
إعادة تداول هذه الوثيقة تأتي في ظرفية إقليمية ودولية تتسم بحركية دبلوماسية متواصلة حول ملف الصحراء، حيث تعود إلى السطح بين الفينة والأخرى قضايا يعتبرها البعض محسومة قانونياً منذ عقود.
في المقابل، يواصل المغرب الترويج لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً لتسوية النزاع، وهي المبادرة التي تحظى، وفق الرباط، بدعم متزايد من عدد من العواصم المؤثرة، وتُوصَف في تقارير ومواقف دولية بأنها “جدية وذات مصداقية”.
وهكذا، تعكس عودة وثيقة 1979 إلى دائرة النقاش حجم التداخل بين الذاكرة القانونية للأمم المتحدة والتحولات السياسية الراهنة، في نزاع ما يزال يستقطب اهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً.
وتُظهر القراءة المتأنية لمضمون الوثيقة الأممية أن رسالة نواكشوط سنة 1979 لم تكن مجرد إعلان سياسي عابر، بل خطوة قانونية موثقة داخل أرشيف الأمم المتحدة، بما يعني تثبيت موقف رسمي أمام المجتمع الدولي. فالإحالة إلى حدود سنة 1960 لم تترك مجالاً للتأويل، إذ ارتبطت صراحة بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو المبدأ الذي شكّل قاعدة في تسوية عدد من النزاعات الإفريقية بعد الاستقلال.

كما أن السياق التاريخي للرسالة يرتبط بمرحلة دقيقة أعقبت توقيع اتفاق 1979 بين موريتانيا وجبهة البوليساريو، والذي أعلنت بموجبه نواكشوط إنهاء مشاركتها في النزاع. وقد تبع ذلك انسحاب إداري وعسكري من وادي الذهب، ما فتح مرحلة جديدة في مسار الملف داخل أروقة الأمم المتحدة.
ويرى متابعون أن استحضار هذا المعطى القانوني اليوم يعكس احتدام النقاش الإقليمي حول بعض التفاصيل الجغرافية والرمزية المرتبطة بالمنطقة، في وقت تتسارع فيه التحركات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء المغربية على مستوى مجلس الأمن وشركاء الأمم المتحدة.
في المقابل، يتمسك المغرب بموقفه القائم على مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي تفاوضي تحت رعاية الأمم المتحدة، معتبراً أن أي مقاربة تستند إلى وقائع أو مطالب سابقة تم تجاوزها رسمياً لن تغيّر من المعطيات القانونية المثبتة في وثائق المنظمة الأممية.
وبين عودة الوثائق إلى الواجهة وتصاعد الخطاب الإعلامي في بعض العواصم، يبقى الثابت أن النزاع تحكمه مرجعيات قانونية وسياسية متداخلة، وأن أي قراءة معاصرة له لا تنفصل عن أرشيف طويل من المراسلات والقرارات الأممية التي شكلت الإطار الناظم له منذ سبعينيات القرن الماضي.









