تشهد قضية الصحراء المغربية خلال الفترة الراهنة دينامية دبلوماسية متنامية، تزامنا مع الجولة الإقليمية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، ومع تصاعد التحركات الأمريكية الرامية إلى الدفع نحو إحياء المسار السياسي وإنهاء حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع الإقليمي لسنوات.
ويعكس تزامن هذه التحركات تحولا لافتا في تعاطي القوى الدولية المؤثرة مع الملف، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت تنظر إلى قضية الصحراء المغربية باعتبارها جزءا من معادلة استراتيجية وأمنية تتجاوز حدود الخلاف الإقليمي، وتمتد إلى رهانات الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل وغرب البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، لم تعد واشنطن تعتبر استمرار النزاع مجرد وضع قابل للإدارة أو التأجيل، بل باتت ترى فيه عاملا مؤثرا على مشاريع التعاون الإقليمي والربط الأطلسي الإفريقي، فضلا عن انعكاساته الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
ويرى متابعون أن التحركات الأمريكية الأخيرة تعكس انتقالا من مرحلة الدعم السياسي التقليدي إلى مرحلة الانخراط الأكثر تأثيرا في توجيه المسار التفاوضي، مستفيدة من الثقل السياسي الذي منحها إياه قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، والذي ساهم في إعادة تشكيل النقاش الدولي حول الملف، حيث تحول الاهتمام تدريجيا من البحث عن طبيعة الحل إلى البحث عن آليات تنزيل تسوية واقعية وقابلة للتطبيق.
وفي هذا الإطار، تواصل الولايات المتحدة دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا للحل، وهو ما يساهم في تعزيز الاتجاه الدولي المؤيد لهذا المقترح، ويزيد من الضغوط على الأطراف التي تواصل التشبث بمقاربات لا تحظى بإجماع دولي واسع.
ولا يقتصر النفوذ الأمريكي على الجانب السياسي، بل يمتد إلى المجالين الأمني والعسكري، حيث تنظر المؤسسات الأمريكية المختصة إلى استمرار النزاع باعتباره أحد العوامل التي تعرقل بناء منظومة أمنية متماسكة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها التنظيمات المتطرفة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وتقوم المقاربة الأمريكية، وفق عدد من المراقبين، على إعادة صياغة موازين الضغوط والحوافز داخل البيئة التفاوضية، بهدف جعل خيار التسوية السياسية أكثر جاذبية وأقل كلفة من استمرار الوضع الراهن، دون اللجوء إلى فرض حلول مباشرة على الأطراف المعنية.
في المقابل، تأتي الجولة التي يقودها ستافان دي ميستورا في ظرف دولي مختلف عن المراحل السابقة، يتميز بتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، الأمر الذي يضع الوساطة الأممية أمام تحديات جديدة تتجاوز مجرد تقريب وجهات النظر، لتشمل مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة وترجمتها إلى آليات تفاوضية قابلة للتنفيذ.
ورغم احتفاظ الأمم المتحدة بدورها القانوني باعتبارها الإطار الرسمي لرعاية العملية السياسية، فإن الدينامية المرتبطة بالملف أصبحت اليوم نتاج تفاعل مجموعة من الفاعلين الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وعدد من القوى الأوروبية، وهو ما يفرض على الوساطة الأممية التكيف مع واقع دولي جديد أكثر تعقيدا.
ويبقى الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بمدى قدرة الأمم المتحدة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة وإطالة أمد المشاورات إلى منطق إدارة التسوية نفسها، مستفيدة من الزخم الدولي المتزايد. وفي حال نجح المبعوث الأممي في توظيف هذا الحراك وتحويله إلى ضغط تفاوضي فعلي، فقد يكون الملف مقبلا على مرحلة جديدة تفتح الباب أمام تسوية سياسية طال انتظارها، وتنقل النزاع من دائرة الملفات المزمنة إلى أفق الحلول الممكنة.










