الجامعي أبو الشتاء
عاد ملف دعم مهنيي النقل الطرقي للبضائع إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما فجرت تنسيقية النقابات الوطنية للقطاع موجة انتقادات حادة بسبب تأخر الحكومة في الإعلان عن دفعة جديدة من المساعدات الاستثنائية المخصصة لتعويض جزء من الارتفاع الذي تعرفه أسعار المحروقات. وبينما تعتبر السلطة التنفيذية هذا الدعم إجراءً ظرفيا مرتبطا بتقلبات الأسواق، يرى المهنيون أن الأزمة أصبحت بنيوية، وأن الحلول المؤقتة لم تعد كافية لإنقاذ قطاع يشكل أحد الأعمدة الأساسية لسلاسل التوريد والاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يعرف فيه سوق الطاقة مفارقة لافتة؛ فأسعار النفط الخام في الأسواق الدولية سجلت خلال الأشهر الأخيرة تراجعات مقارنة بالذروة التي بلغتها في السنوات الماضية، غير أن هذا الانخفاض لم ينعكس بالشكل الذي ينتظره المهنيون على أسعار البيع داخل المغرب، ما أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول آليات تسعير المحروقات، وهوامش أرباح الشركات، ومدى نجاعة سياسة تحرير القطاع.
وترى النقابات أن استمرار تأجيل صرف الدعم يضع آلاف المقاولات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، أمام ضغوط مالية متزايدة، إذ أصبحت كلفة الوقود تستحوذ على نسبة كبيرة من مصاريف الاستغلال، في وقت يصعب فيه تمرير هذه الزيادات بالكامل إلى الزبائن بسبب المنافسة الحادة داخل السوق. ونتيجة لذلك، تجد العديد من الشركات نفسها بين خيارين أحلاهما مر؛ إما العمل بهوامش ربح ضعيفة، أو التوقف عن النشاط.
ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على شركات النقل وحدها، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، باعتبار أن النقل الطرقي يمثل الحلقة الرئيسية في توزيع السلع والمواد الغذائية والمنتجات الصناعية. فكل ارتفاع في تكلفة النقل ينعكس تدريجيا على أسعار البيع للمستهلك النهائي، ما يجعل ملف المحروقات مرتبطا بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للأسر وبمستوى التضخم.
وتؤكد تنسيقية النقابات الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع أن الدعم الاستثنائي، رغم أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة، بل ينبغي أن يكون جزءا من رؤية شاملة لإصلاح القطاع. ولذلك جددت مطالبتها بالإفراج الفوري عن الدفعة الجديدة من المساعدات، مع وضع جدول زمني واضح ومنتظم لصرفها، تفاديا لحالة الغموض التي ترافق كل مرحلة من مراحل صرف الدعم.
غير أن سقف مطالب المهنيين يتجاوز المساعدات المالية، إذ يدعون إلى مراجعة السياسة الحكومية تجاه سوق المحروقات من خلال اعتماد نظام “الديزل المهني”، المعمول به في عدد من الدول، والذي يمنح مهنيي النقل امتيازات ضريبية أو تعويضات مرتبطة بالاستهلاك الفعلي للوقود، بما يضمن استقرار تكاليف الإنتاج ويحافظ على تنافسية القطاع.
كما تطالب النقابات بإيجاد آليات تحد من تقلبات أسعار الوقود، معتبرة أن استمرار تحرير السوق دون أدوات فعالة للمراقبة والتنظيم يجعل شركات النقل رهينة لتغيرات الأسعار، ويزيد من هشاشة المقاولات، خاصة في ظل المنافسة القوية وارتفاع باقي تكاليف التشغيل من صيانة وتأمين وقطع غيار وأجور.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة أيضا النقاش المتواصل بشأن مدى نجاح سياسة تحرير أسعار المحروقات، التي لا تزال تثير جدلا واسعا منذ سنوات. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الأسعار تخضع لمنطق السوق الدولية، يرى المهنيون وعدد من الفاعلين الاقتصاديين أن غياب المنافسة الكافية واستمرار تمركز السوق في يد عدد محدود من الشركات يحول دون انتقال الانخفاضات العالمية إلى المستهلكين والمهنيين بالسرعة المطلوبة.
وفي خضم هذا الاحتقان، لوحت تنسيقية النقابات بالتصعيد، مؤكدة أن استمرار تجاهل مطالبها قد يدفعها إلى إطلاق برنامج احتجاجي تدريجي، قد يتوج بإضراب وطني يشل حركة نقل البضائع. ويثير هذا الاحتمال مخاوف من انعكاسات مباشرة على سلاسل التزويد والأسواق الوطنية، خاصة إذا تزامن مع فترات تعرف ارتفاعا في الطلب على المواد الأساسية.
وبين استمرار الدعم كحل مؤقت، والمطالبة بإصلاحات هيكلية لسوق المحروقات، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار جديد. فكل تأخير في اتخاذ قرار واضح لا يزيد فقط من غضب المهنيين، بل يفتح الباب أمام تساؤلات متجددة حول مستقبل سياسة الدعم، وجدوى تحرير أسعار المحروقات، وقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين حماية المالية العمومية وضمان استقرار القطاعات الحيوية والقدرة الشرائية للمواطنين.










