حين أصبحت المحاكم بلا جلسات.. أزمة تهز هيبة العدالة
هاشــم الخياطــي
لم تعد أزمة مقاطعة عدد من المحامين مجرد خلاف مهني بين هيئة الدفاع ومؤسسات الدولة، بل تحولت إلى أزمة تمس جوهر العدالة نفسها. فعندما تتوقف المحاكم عن أداء وظيفتها، ويصبح مئات المعتقلين ينتظرون جلسة لا تنعقد، فإن الخاسر الحقيقي ليس السلطة ولا المحامون، بل المواطن الذي وجد نفسه رهينة صراع لا يملك فيه صوتاً ولا قراراً.
الأرقام التي كشفت عنها مراسلة الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات صادمة بكل المقاييس. أكثر من 410 معتقلين ما تزال ملفاتهم معلقة أمام غرف الجنايات، إضافة إلى عشرات القضايا الجنحية التي توقفت عجلة البت فيها بسبب استمرار المقاطعة. إنها أرقام لا تعكس فقط ازدحام رفوف المحاكم، بل ترسم صورة مقلقة لعدالة تتباطأ حتى تكاد تتوقف.
المفارقة أن المحكمة، بحسب المراسلة، استنفدت مختلف الإجراءات القانونية، فأجلت الجلسات مرات متتالية، ومنحت الآجال الكافية، وسعت إلى ضمان حق الدفاع بكل الوسائل الممكنة، غير أن استمرار الامتناع الجماعي للمحامين عن الحضور جعل المحاكم تصطدم بحائط قانوني صلب؛ فلا يمكن محاكمة المتهمين في قضايا الجنايات دون محام، ولا يمكن في الوقت نفسه إبقاء الملفات معلقة إلى أجل غير معلوم.
هذه الأزمة تكشف هشاشة منظومة العدالة عندما تصبح رهينة أي شكل من أشكال الشلل. فالحق في الدفاع حق دستوري لا يمكن المساس به، لكنه لا يقل أهمية عن حق المتقاضين في محاكمة داخل أجل معقول، ولا عن حق الضحايا في الإنصاف، ولا عن حق المعتقلين في معرفة مصيرهم القضائي. وعندما تتصادم الحقوق، يصبح من واجب الجميع البحث عن حلول لا تعميق الأزمة.
العدالة ليست مرفقاً يمكن إغلاق أبوابه متى اشتد الخلاف، وليست ورقة ضغط تُمارس فوق رؤوس المتقاضين. فكل يوم تأخير يعني معتقلاً إضافياً يقضي يوماً آخر خلف القضبان دون حكم، وأسرة تنتظر قراراً لا يصدر، وضحية تؤجل إنصافها، ودولة تتلقى ضربة جديدة في صورة مؤسساتها القضائية.
اليوم لم يعد السؤال من المخطئ ومن المصيب، بل كيف يمكن إنهاء هذا الانسداد قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة حقيقية في العدالة. فاستمرار الوضع الحالي لا ينتج منتصراً، بل يراكم الخاسرين، ويجعل مرفقاً دستورياً يفترض أن يكون عنواناً للإنصاف عاجزاً عن أداء أبسط وظائفه.
إن أخطر ما في المشهد ليس تراكم الملفات، بل اعتياد الرأي العام على رؤية العدالة وهي تتعثر. فالدول تُقاس بقوة مؤسساتها، وإذا تعطلت المحاكم تعطلت معها هيبة القانون، وأصبح الجميع خاسراً. لذلك فإن تجاوز هذه الأزمة لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية تفرض على جميع الأطراف تغليب المصلحة العامة، لأن العدالة عندما تتوقف لا تُعطل القضايا فقط، بل يتعطل معها الإحساس بسيادة القانون.








