تعيش الصحافة المغربية اليوم واحدة من أعقد مراحلها، حيث تواجه أزمة وجودية حقيقية تهدد دورها التقليدي كسلطة رابعة ومصدر للمعلومة الموثوقة. لم تعد الأزمة مقتصرة على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل البنية المهنية، والمصداقية، وعلاقة الصحافة بالمواطن والدولة، وسط تطورات رقمية متسارعة وتغيرات في عادات استهلاك المحتوى.
تعاني الصحافة المغربية من تراجع كبير في عدد القراء، وضعف الإقبال على الصحف الورقية، وتقلص المداخيل الإعلانية التي كانت تشكل ركيزة أساسية في تمويل المؤسسات الصحفية. هذا الوضع أدى إلى إغلاق العديد من الجرائد والمجلات، وتسريح المئات من الصحافيين، مما فاقم أزمة البطالة في القطاع الإعلامي.
كما أن الانتقال إلى الصحافة الرقمية لم يكن بالسهولة المرجوة. فالكثير من المنصات الإلكترونية تفتقر إلى المهنية، وتغلب عليها الطابع التجاري والمحتوى السطحي والمثير للجدل، مما أثر سلبًا على صورة الصحافة في أذهان المواطنين، وأسهم في فقدان الثقة.

تشكل المصداقية التحدي الأكبر أمام الصحافة المغربية اليوم. في ظل انتشار الأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين المعلومة الصحيحة والمغلوطة. ومع غياب معايير مهنية صارمة في بعض المنابر، بات المواطن في حيرة من أمره، الأمر الذي يهدد علاقة الصحافة بجمهورها ويضعف تأثيرها في المجتمع.
إنقاذ الصحافة المغربية من أزمتها الحالية يتطلب تدخلًا استراتيجيًا متعدد المستويات. أولا، يجب دعم المقاولة الصحفية الوطنية وتمكينها من التكيف مع المتغيرات الرقمية من خلال تحفيز الاستثمار في التكنولوجيا وتكوين الموارد البشرية. كما أن تعزيز الدعم العمومي بشفافية وعدالة سيساهم في استقرار المؤسسات الإعلامية وضمان استقلاليتها.
ثانيًا، لا بد من وضع ميثاق مهني صارم يحكم الممارسة الإعلامية، ويرسخ أخلاقيات المهنة ويحارب الإثارة والتضليل، مع تفعيل دور المجلس الوطني للصحافة في المراقبة والمحاسبة.
ثالثًا، ينبغي إعادة بناء الثقة بين الصحافة والمواطن، من خلال تقديم محتوى عميق وذي جودة عالية، يراعي اهتمامات الجمهور ويعبر عن قضاياه الحقيقية، بدل الانجرار وراء السبق والفرجة.
الصحافة المغربية، وهي في قلب هذه الأزمة الوجودية، مطالبة اليوم بإعادة تعريف دورها وهويتها في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. فإما أن تنهض وتستعيد مكانتها كمصدر للمعلومة ورافعة للنقاش الديمقراطي، أو أن تندثر وتترك الساحة لمن لا يؤمن لا بالمهنة ولا بأخلاقياتها. فالاختيار اليوم ليس رفاهية، بل مسألة بقاء.
شهدت ندوة نظمتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف دعوات لاعتماد مقاربة تشاركية تهدف إلى تعزيز دور قطاع الصحافة الوطنية، بما يمكنه من مواكبة الأوراش الكبرى التي تشهدها المملكة.
وأكد المتدخلون في هذا اللقاء أهمية توحيد الجهود وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين في القطاع لمواجهة التحديات المتزايدة التي تعترض تطور الصحافة، لا سيما في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تفرضه من رهانات جديدة.

وفي كلمته الافتتاحية، شدد رئيس الفيدرالية، محتات الرقاص، على الدور الحيوي الذي تضطلع به الصحافة في ترسيخ المسار الديمقراطي والتنموي للبلاد والدفاع عن قضاياها الأساسية، مبرزاً ضرورة فتح حوار بنّاء حول التحديات التي تواجه المهنة.
من جهته، أشار مصطفى أمدجار، مدير الاتصال والعلاقات العامة بقطاع التواصل، إلى أهمية الصحافة كركيزة أساسية في النظام الديمقراطي، لافتاً إلى أن الصعوبات التي تواجه هذا القطاع في المغرب وفي مختلف بلدان العالم، تفرض البحث عن حلول مبتكرة ومقاربات جديدة تستجيب للتحول الرقمي المتسارع.
وأوضح أمدجار أن الوزارة الوصية تعمل على تحسين الإطار القانوني للصحافة وتهيئة بيئة ملائمة لممارستها، بالإضافة إلى تطوير آليات التمويل والدعم، مشيراً إلى أهمية تفعيل قطاع الإشهار كمصدر مستدام لتمويل المؤسسات الإعلامية.

كما تطرقت باقي المداخلات، التي عرفت مشاركة وزراء سابقين وخبراء قانونيين وإعلاميين بارزين، إلى ضرورة بروز إعلام وطني تنويري يتماشى مع الطموحات التنموية للبلاد، إلى جانب بلورة رؤية واضحة للدعم العمومي الموجه للقطاع.
وشدد المشاركون على أهمية تمكين المقاولات الصحفية من أدوات التأهيل الاقتصادي ومواكبة الرقمنة، إضافة إلى التطرق لقضايا محورية مثل أخلاقيات المهنة، حرية التعبير، ومحاربة الأخبار الزائفة.
كما أجمع المتدخلون على أن نجاح إصلاح قطاع الصحافة لا يمكن أن يتحقق دون إشراك كافة المتدخلين، من فاعلين مؤسساتيين ومهنيين ومجتمع مدني، في بلورة حلول عملية تعزز استقلالية المهنة وتحفظ كرامة الصحفيين، مؤكدين أن هذا الورش الإصلاحي يتطلب إرادة جماعية وتنسيقاً فعالاً لضمان استدامته وفعاليته.

وفي ذات السياق، تم التأكيد على ضرورة تعزيز التكوين المستمر للصحفيين، وتحديث مناهج التدريس في المعاهد والمؤسسات المتخصصة، بما يستجيب لمتطلبات العصر الرقمي ويؤهل موارد بشرية قادرة على إنتاج محتوى إعلامي مهني وموثوق.
كما دعت الندوة إلى ضرورة تطوير البنية التحتية الرقمية للمؤسسات الإعلامية، وتوفير الدعم اللازم لها لمواكبة التقنيات الحديثة في جمع الأخبار ونشرها، مع التأكيد على التزام الصحافة بأخلاقيات المهنة، واحترام مبادئ التعددية والحياد والشفافية.
وشكلت هذه الندوة فضاءً مفتوحاً للنقاش الجاد والمسؤول حول آفاق تطوير الصحافة الوطنية، وأبرزت الحاجة إلى خارطة طريق واضحة تتماشى مع التحولات المجتمعية والتكنولوجية، وتضع الإعلام في صلب النموذج التنموي الجديد للمملكة.










