الجامعي أبو الشتاء
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المرتقبة في المغرب خلال سبتمبر المقبل، تتجه أنظار الطبقة السياسية إلى فئة الشباب باعتبارها إحدى أكبر الكتل الانتخابية وأكثرها قدرة على التأثير في نتائج الاستحقاقات المقبلة، في وقت تحولت فيه أزمة الثقة بين الأجيال الجديدة والأحزاب السياسية إلى واحد من أبرز التحديات التي تواجه المشهد الحزبي والانتخابي.
وتأتي هذه الاستحقاقات في سياق سياسي واجتماعي مختلف عن الانتخابات السابقة، بعدما كشفت احتجاجات قادها شباب حركة “جيل زد 212” خلال سبتمبر الماضي عن اتساع الهوة بين جزء من الشباب والمؤسسات السياسية والحزبية. فقد رفعت الاحتجاجات مطالب مرتبطة أساساً بتحسين خدمات الصحة والتعليم، وتساءلت عن أولويات الإنفاق العمومي، خصوصاً في ظل الاستعدادات الكبرى المرتبطة باستضافة المغرب لكأس العالم 2030.
ولم يكن اللافت في تلك الاحتجاجات طبيعة المطالب الاجتماعية فقط، بل أيضاً الطريقة التي اختار بها الشباب التعبير عنها، بعيداً عن القنوات الحزبية والنقابية التقليدية. فقد انطلقت التعبئة من منصات رقمية، وعلى رأسها “ديسكورد”، وهو ما عكس تحولاً عميقاً في أدوات التواصل السياسي لدى جيل جديد لم يعد يرى في المقرات الحزبية والاجتماعات التقليدية فضاءً أساسياً للتعبير عن مواقفه.
المشكلة التي تواجه الأحزاب المغربية لا تتعلق فقط بإقناع الشباب بالتصويت، وإنما بإقناعهم أولاً بأن السياسة قادرة على تغيير واقعهم اليومي. فالكثير من الشباب ينظرون إلى السياسة من زاوية فرص الشغل، وجودة التعليم، والولوج إلى العلاج، والسكن، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وليس من خلال الشعارات الانتخابية التقليدية.
وتكشف المعطيات المتعلقة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية عن حجم الفجوة. فبحسب إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط، بالاستناد إلى القوائم الانتخابية لسنة 2021، لم تتجاوز نسبة التسجيل لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً نحو 33.6 في المائة، مقابل 94.4 في المائة لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر.
وهذه الفوارق لا تعكس مجرد اختلاف في السلوك الانتخابي بين الأجيال، بل تكشف أيضاً عن خلل في علاقة الشباب بالمؤسسات السياسية، وعن حاجة ملحة إلى إعادة بناء جسور الثقة قبل الحديث عن رفع نسب المشاركة.
وتزداد أهمية الشباب مع وجود ملايين الأشخاص الذين بلغوا أو سيبلغون سن التصويت، حيث تشير التقديرات إلى أكثر من أربعة ملايين شاب يمكن أن يدخلوا المجال الانتخابي باعتبارهم ناخبين لأول مرة، بما يمثل كتلة انتخابية وازنة قادرة، نظرياً، على التأثير في الخريطة السياسية المقبلة.
غير أن حجم هذه الكتلة لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى قوة انتخابية فعلية، خصوصاً في ظل محدودية الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدد المسجلين الجدد لم يتجاوز نحو 382 ألف شخص، في وقت بلغ فيه عدد الناخبين المحصيين حوالي 16.5 مليون ناخب.
وهنا تبرز مفارقة واضحة: فالأحزاب تتحدث عن ضرورة إشراك الشباب، بينما لا يزال جزء كبير من الشباب خارج دائرة المشاركة السياسية المباشرة، سواء عبر التسجيل الانتخابي أو الانخراط الحزبي أو الترشح للاستحقاقات.
وفي محاولة لتشجيع الشباب على دخول المؤسسات المنتخبة، جرى اعتماد حوافز مالية وآليات تستهدف تسهيل ولوج المرشحين الشباب إلى المنافسة الانتخابية، من بينها تحمل نسبة مهمة من مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، مع سقف مالي محدد، إلى جانب إجراءات ترمي إلى تشجيع المشاركة المستقلة.
وتشكل هذه الإجراءات خطوة مهمة من حيث المبدأ، لأنها تحاول معالجة أحد العوائق التي تحول دون دخول الشباب إلى المنافسة السياسية، والمتمثل في ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية وتعقيد شروط الولوج إلى دوائر القرار الحزبي.
لكن المال الانتخابي، مهما ارتفع، لن يكون كافياً لإقناع جيل كامل بالمشاركة إذا لم ترافقه إصلاحات سياسية وحزبية حقيقية. فالشاب الذي لا يثق في جدوى صوته لن يصبح بالضرورة ناخباً نشطاً لمجرد توفير دعم مالي للمرشحين الشباب.
وتكمن المعضلة الأعمق في أن أزمة الشباب مع الأحزاب لا تختصر في غياب الوجوه الشابة، بل تمتد إلى طبيعة الخطاب السياسي نفسه.
فإعادة تقديم وجوه سياسية قديمة في مواقع جديدة، أو استدعاء قيادات ارتبطت بمراحل انتخابية سابقة، لن يكون كافياً لبناء علاقة جديدة مع جيل نشأ في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي.
الشباب اليوم لا ينتظرون الخطاب السياسي في القاعات أو عبر البيانات الحزبية؛ بل يتابعونه على الهاتف، ويقارنون الوعود بالنتائج، ويطرحون أسئلة مباشرة، ويطالبون بالشفافية والمساءلة، كما أنهم أكثر حساسية تجاه التناقض بين الخطاب والممارسة.
ومن ثم، فإن معركة الأحزاب المقبلة ليست فقط مع منافسيها السياسيين، وإنما مع صورة نمطية ترسخت لدى قطاعات واسعة من الشباب تعتبر أن السياسة مجال مغلق، وأن الوجوه تتغير أحياناً بينما تبقى طرق العمل والخطاب والآليات نفسها.
احتجاجات “جيل زد”.. إنذار سياسي للأحزاب
أثبتت تجربة “جيل زد 212” أن الشباب قادرون على تنظيم أنفسهم خارج الهياكل السياسية التقليدية، وأن وسائل التواصل الحديثة يمكن أن تتحول إلى فضاء للتعبئة والنقاش وصناعة المطالب.
والأكثر دلالة أن الحركة لم تجعل الأحزاب وسيطاً أساسياً بينها وبين الدولة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول الدور الذي تؤديه المؤسسات الحزبية في تمثيل المطالب الاجتماعية الجديدة.
فإذا كان جزء من الشباب يختار مخاطبة أعلى سلطة في البلاد مباشرة، متجاوزاً الأحزاب، فإن ذلك يعني أن الوساطة السياسية التقليدية تواجه أزمة ثقة حقيقية ينبغي التعامل معها بجدية، لا باعتبارها مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بالاحتجاجات.
ستكون الانتخابات البرلمانية المقبلة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب على تجاوز حالة العزوف السياسي واستعادة ثقة الأجيال الجديدة.
ولن يكون السؤال فقط: كم شاباً سيترشح؟ بل كم شاباً سيصوت؟ وكم منهم سيجد في البرامج الانتخابية ما يعبر عن انتظاراته؟ وكم من المرشحين الشباب سيحصل فعلاً على مواقع داخل البرلمان؟ وهل ستتحول المشاركة الشبابية إلى حضور مؤثر في صناعة القرار أم ستظل مجرد واجهة انتخابية؟
كما أن المعركة ستتجاوز نسبة المشاركة إلى نوعية التمثيل. فوجود نواب شباب داخل البرلمان لا يعني بالضرورة أن صوت الشباب أصبح حاضراً في السياسات العمومية، ما لم يمتلك هؤلاء القدرة على التأثير والمبادرة والدفاع عن قضايا الأجيال الجديدة.
إن استعادة الشباب لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر المدرسة والجامعة والإعلام والفضاء الرقمي والعمل المدني والحزبي.
وتحتاج الأحزاب إلى الانتقال من خطاب انتخابي موسمي إلى تواصل سياسي دائم، وإلى فتح هياكلها أمام الكفاءات الشابة على أساس الاستحقاق وليس الولاء التنظيمي، مع منح الشباب مواقع حقيقية في صناعة القرار بدل الاكتفاء بتوظيفهم في الحملات الانتخابية.
كما أن المطلوب هو تقديم برامج قابلة للقياس، تتضمن أهدافاً واضحة في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والسكن والتحول الرقمي والمقاولة، مع الالتزام بتقديم حصيلة دورية للناخبين حول ما تم تنفيذه من الوعود.
الرهان الانتخابي المقبل لا يتعلق فقط بتشكيل أغلبية حكومية أو توزيع المقاعد البرلمانية، بل يتصل بصورة أعمق بمستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
فالشباب الذين يشكلون نسبة مهمة من المجتمع لن يبقوا إلى الأبد خارج المجال السياسي. وإذا لم تجد مطالبهم قنوات مؤسساتية للتعبير عنها، فإنها ستجد طريقها إلى فضاءات أخرى، خصوصاً المنصات الرقمية والاحتجاجات الاجتماعية.
لذلك، فإن الانتخابات المقبلة تمثل فرصة أمام الأحزاب المغربية لإعادة تعريف علاقتها بجيل جديد، ليس عبر الشعارات ولا عبر استنساخ الوجوه القديمة، وإنما من خلال تقديم سياسة أكثر انفتاحاً وشفافية وقرباً من المواطن.
لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط إقناع الشباب بالتصويت، وإنما إقناعهم بأن أصواتهم قادرة فعلاً على إحداث فرق، وأن المؤسسات المنتخبة يمكن أن تكون فضاءً حقيقياً للتغيير. فإذا نجحت الأحزاب في ذلك، فقد تتحول الكتلة الشبابية من عنوان للعزوف السياسي إلى قوة انتخابية مؤثرة؛ أما إذا استمرت اللغة السياسية في الدوران داخل القوالب القديمة، فقد تكون الانتخابات المقبلة محطة جديدة لتكريس المسافة بين الشباب والسياسة.











