مستجدات

خارطة الطريق التعليمية.. بين طموح الإصلاح وحدود التجريب

طاقم ALLNEWS12 أغسطس 2026
خارطة الطريق التعليمية.. بين طموح الإصلاح وحدود التجريب

هل تكفي التجارب النموذجية لصناعة الإصلاح؟

الجامعي أبو الشتاء

في كل مرة تعلن فيها الدولة عن مشروع إصلاحي جديد في قطاع التعليم، يتجدد الأمل في أن تكون المدرسة المغربية قد وجدت أخيراً طريقها إلى التعافي. غير أن التجربة المغربية، الممتدة على عقود من الإصلاحات المتعاقبة، علمت الرأي العام درساً قاسياً: لا تكفي الشعارات الكبرى ولا الأرقام المبهرة لإعلان النجاح، لأن المدرسة لا تُقاس بما يقال عنها، بل بما تصنعه داخل الفصول الدراسية. ومن هنا، فإن الإصلاح الجاري في إطار خارطة الطريق 2022-2026، رغم ما يحمله من رهانات واعدة، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تحول تربوي حقيقي، أم أمام نجاح إعلامي سابق لأوانه؟

لقد جعلت وزارة التربية الوطنية من الدعم التربوي والابتكار البيداغوجي محوراً مركزياً لإصلاحها، ورفعت برنامج “المدارس الرائدة” إلى مرتبة النموذج الذي يُراد له أن يقود المدرسة العمومية نحو مرحلة جديدة. لكن أي إصلاح يطمح إلى تغيير مصير ملايين التلاميذ لا يمكن أن يكتفي بخطاب النجاح، بل يحتاج إلى براهين علمية صلبة، وإلى تقييمات مستقلة، وإلى قدرة فعلية على الصمود أمام الاختبار الأكاديمي.

النتائج التي رُوج لها بشأن برنامج “المدارس الرائدة” بدت، للوهلة الأولى، استثنائية. فقد تحدثت دراسة أعدها باحثون دوليون عن مستويات تأثير مرتفعة في اللغات والرياضيات، وهي أرقام لو ثبتت وفق المعايير العلمية المعمول بها، لكانت التجربة المغربية من أبرز قصص النجاح في العالم النامي. غير أن قوة الأرقام لا تعني بالضرورة قوة الدليل، وهو ما يجعل الاحتفاء بها دون تمحيص منهجي مخاطرة قد تكلف الإصلاح الكثير.

فالدراسة التي استند إليها هذا التقييم لم تخضع لمراجعة الأقران، ولم تُنشر في مجلة علمية مفهرسة، بل ظلت في حدود تقرير تقني. وفي عالم البحث العلمي، لا يعد هذا تفصيلاً إجرائياً، بل هو أحد أهم شروط المصداقية. فالسياسات العمومية، خصوصاً في قطاع حيوي كالتعليم، لا ينبغي أن تُبنى على نتائج لم تمر عبر قنوات التحقق العلمي المستقل.

ولا تتوقف علامات الاستفهام عند هذا الحد، بل تمتد إلى طبيعة المقارنة التي اعتمدتها الدراسة. فالمدارس التي استُعملت كمجموعة ضابطة كانت قد تأثرت بشكل واضح بإضرابات الأساتذة، وهو عامل استثنائي انعكس مباشرة على مستوى التحصيل الدراسي لتلامذتها. وعندما تُقارن مؤسسة استفادت من ظروف أكثر استقراراً بأخرى أنهكتها اضطرابات الموسم الدراسي، فإن الفارق المسجل لا يعكس بالضرورة أثر البرنامج وحده، بل قد يكون جزء كبير منه نتاجاً لاختلاف الظروف المحيطة بالتجربة.

ويزداد هذا التحفظ وجاهة عندما نعلم أن الاختبارات أُجريت مباشرة بعد العطلة الصيفية، وهي فترة تؤكد الأدبيات التربوية أنها تشهد تراجعاً في المكتسبات الدراسية، خاصة لدى التلاميذ الذين يعانون أصلاً من صعوبات في التعلم. وبذلك يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام قياس دقيق لأثر البرنامج، أم أمام نتائج تضخمت بفعل ظروف الاختبار أكثر مما صنعتها جودة التدخل البيداغوجي؟

ثم إن الدراسة أغفلت سؤالاً لا يقل أهمية عن سؤال النتائج، وهو سؤال الكلفة والنجاعة. فما قيمة تجربة ناجحة إذا كانت تكلفتها لا تسمح بتعميمها؟ وما جدوى الحديث عن “أفضل استثمار” دون تقديم تحليل اقتصادي يحدد كلفة كل نقطة تحسن تحققت في مستوى التعلمات؟ فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الإنجاز، بل أيضاً بقدرته على الاستمرار داخل منظومة تعاني أصلاً من ضغط الموارد وتفاوت الإمكانات.

الأخطر من ذلك أن نجاح التجارب النموذجية لا يعني بالضرورة نجاح الإصلاح الشامل. فالتاريخ الحديث للمدرسة المغربية حافل بمشاريع تجريبية حققت نتائج واعدة في بداياتها، قبل أن تتراجع عند أول اختبار للتعميم. وهذه ليست خصوصية مغربية، بل تؤكدها الأدبيات الدولية التي تشير إلى أن أثر البرامج التجريبية يتقلص بشكل ملحوظ عند الانتقال إلى التنفيذ الواسع، بفعل اختلاف السياقات والموارد ومستويات التأطير.

وفي المقابل، يبدو أن الحلقة الأضعف في الإصلاح لا تزال هي المدرس نفسه. فكل الحديث عن الابتكار البيداغوجي يصطدم بواقع يومي يطغى عليه الاكتظاظ، وضعف التجهيزات، ونقص التكوين، وضغط الزمن المدرسي. فلا يمكن مطالبة الأستاذ بإنتاج ممارسات تقويمية مبتكرة، بينما لا تزال أغلب آليات التكوين والتأطير بعيدة عن مواكبة التحولات التي تنادي بها الوثائق الرسمية. والابتكار لا يُولد بقرار إداري، بل يصنعه مدرس يمتلك الوقت والكفاءة والوسائل، ويشعر بأن المؤسسة تعترف بجهده وتثمن مبادراته.

ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لم يعد هو إطلاق مشاريع جديدة أو إنتاج أرقام أكثر إبهاراً، وإنما بناء ثقافة تربوية جديدة قوامها التقييم المستقل، والمحاسبة العلمية، والجرأة على مراجعة الاختيارات كلما كشفت الوقائع محدوديتها. فالإصلاح الذي يخشى النقد محكوم عليه بأن يتحول إلى حملة تواصلية، لا إلى سياسة عمومية ناجحة.

اليوم، تقف المدرسة المغربية أمام اختبار حاسم. فإما أن يتحول الابتكار البيداغوجي إلى خيار وطني شامل، مؤسس على الأدلة العلمية وقادر على بلوغ كل المؤسسات التعليمية، وإما أن يبقى حبيس تجارب معزولة تُستثمر سياسياً أكثر مما تُبنى تربوياً. وبين هذين الخيارين، لا يحتاج المغرب إلى مزيد من الاحتفاء بالنتائج، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُختبر الأرقام، لا عندما تُعلن، وعندما يصبح البرهان العلمي هو الحكم الوحيد على نجاح السياسات العمومية، لا قوة الخطاب ولا بريق الدعاية.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة