تحولت موجة الحر القياسية التي تضرب تونس إلى أزمة معيشية خانقة، بعدما تزامنت مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي واضطرابات في التزود بمياه الشرب، في مشهد أثار موجة غضب واسعة بين المواطنين الذين وجدوا أنفسهم يواجهون درجات حرارة مرتفعة دون خدمات أساسية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.
وأمام أحد مقرات الشركة التونسية للكهرباء والغاز، تجمع عشرات المواطنين وهم يحملون عدادات الكهرباء وفواتير إصلاح الأجهزة المنزلية التي تعرضت للتلف نتيجة الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي. وبدت علامات الاستياء واضحة على وجوه المحتجين الذين طالبوا بفتح تحقيق في أسباب هذه الأعطال، وتعويض المتضررين عن الخسائر التي تكبدوها خلال الأيام الأخيرة.
ولم تقتصر تداعيات الانقطاعات الكهربائية على خسائر الأجهزة المنزلية، بل امتدت إلى تهديد حياة المرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية تعمل بالكهرباء، وعلى رأسها أجهزة الأكسجين، حيث أصبح انقطاع التيار يشكل خطرا مباشرا على سلامتهم، خاصة في ظل الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة.
كما اشتكى مواطنون من غياب أي إشعار مسبق بشأن مواعيد الانقطاع أو المناطق التي تشملها عمليات قطع الكهرباء، الأمر الذي حال دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المعدات الكهربائية أو تنظيم الأنشطة التجارية، متسببًا في خسائر اقتصادية إضافية للتجار وأصحاب المهن.
ومن بين أكثر المشاهد إثارة للقلق، ما كشفته إحدى المسؤولات عن حضانة للأطفال، التي أكدت أن العاملين اضطروا إلى وضع الأطفال في أوعية مملوءة بالماء لتخفيف آثار الحرارة بعد توقف أجهزة التكييف بسبب انقطاع الكهرباء، محذرة من أن استمرار هذه الأوضاع قد يعرض صحة الأطفال وسلامتهم لمخاطر حقيقية.
وتتكرر روايات مماثلة في عدد من المدن والقرى، حيث تتزايد شكاوى السكان من اضطراب خدمات الكهرباء خلال ساعات الذروة الصيفية، وسط مخاوف من تفاقم الوضع إذا استمرت موجة الحر.
وتعزو الجهات المعنية هذه الاضطرابات إلى الارتفاع الكبير في استهلاك الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لمكيفات الهواء، إذ بلغ الاستهلاك خلال فترة الذروة، الممتدة بين الساعة الثانية والرابعة بعد الزوال، حوالي خمسة آلاف ميغاواط يوميا، أي بزيادة تقارب 30 في المائة مقارنة بالمعدلات العادية.
وفي هذا السياق، تؤكد الشركة التونسية للكهرباء والغاز أنها تلجأ، عند الضرورة، إلى تخفيض الأحمال عبر انقطاعات مبرمجة ومؤقتة لا تتجاوز ساعة واحدة، بهدف الحفاظ على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وتجنب انهيار الشبكة الكهربائية الوطنية، مع استثناء المؤسسات الحساسة والاستراتيجية من هذه الإجراءات.
أزمة الماء تزيد الوضع تعقيدا

ولم تتوقف معاناة التونسيين عند الكهرباء، إذ تشهد عدة مناطق اضطرابات متكررة في التزود بمياه الشرب بالتزامن مع موجة الحر، حيث أكد مواطنون أن المياه تنقطع لأيام متتالية، وعند عودتها يكون تدفقها ضعيفا ولساعات محدودة فقط.
وسجلت مناطق في طبرقة بمحافظة جندوبة، إلى جانب أحياء في سوسة والمنستير، اضطرابات متكررة في خدمات الماء والكهرباء، بينما شهدت مدينة المتلوي بمحافظة قفصة وقفات احتجاجية وعمليات قطع طرق للمطالبة بوضع حد لانقطاعات مياه الشرب التي باتت تتكرر بشكل لافت.
وتثير هذه الأزمة تساؤلات بشأن إدارة قطاع المياه، خاصة أن استمرار الانقطاعات يتزامن مع إعلان وزارة الفلاحة أن نسبة امتلاء السدود تقترب من 60 في المائة، وهي نسبة وصفتها السلطات بالرسمية بأنها مطمئنة.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يرتبط فقط بتوفر الموارد المائية، وإنما يكشف أيضا عن تحديات تتعلق بتهالك شبكات التوزيع، وضعف الصيانة، وغياب التخطيط الاستباقي لضمان توزيع عادل للمياه خلال فترات الاستهلاك المرتفع.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، ترتفع الأصوات المطالبة باعتماد سياسة أكثر شفافية في إدارة قطاعي الماء والكهرباء، تقوم على الإعلان المسبق عن الانقطاعات المبرمجة أو الطارئة، وتمكين المواطنين من اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الأضرار.
كما تتزايد الدعوات إلى وضع خطط استعجالية لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المرضى والأطفال وكبار السن، مع تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية للشبكات الكهربائية والمائية، حتى لا تتحول موجات الحر الموسمية إلى أزمات إنسانية متكررة تمس الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في الماء والكهرباء والصحة والعيش الكريم.










