هاشــم الخياطــي
لم تعد دروس الدعم والتقوية مجرّد آلية لمساعدة التلاميذ المتعثرين كما كان الهدف المعلن في بداياتها، بل تحوّلت إلى سوق سوداء موازية للتعليم، تستنزف ميزانيات الأسر المغربية في صمت، وتفضح قصور المدرسة العمومية عن أداء وظيفتها الأساسية.
فالأصل أن القسم هو الفضاء الطبيعي لاكتساب المعارف، لكن الواقع اليوم يثبت العكس؛ إذ أصبح التلميذ لا يتعلم بما يكفي داخل المدرسة، وكأن الحصة الدراسية الرسمية مجرد تمهيد لحصة موازية يؤدي ثمنها ولي الأمر. والنتيجة أن “التعليم الموازي” صار قاعدة، بينما التعليم النظامي تراجع إلى مجرد واجهة شكلية.
الأسر، وخصوصًا المتوسطة والفقيرة، تجد نفسها عالقة بين مطرقة مستقبل أبنائها وسندان تكاليف الدروس الخصوصية. فالمبالغ التي تُدفع شهريًا تضاهي أحيانًا أقساط المدارس الخاصة، ما يحوّل التعليم العمومي المجاني نظريًا إلى خدمة باهظة الثمن عمليًا. الأخطر أن هذا النزيف المالي يخلق فوارق اجتماعية صارخة: تلاميذ قادرون على شراء “المعرفة الموازية”، وآخرون محرومون منها، لتتعزز بذلك دوامة اللامساواة.
المسؤولية هنا لا تقع فقط على عاتق بعض الأساتذة الذين حوّلوا هذه الدروس إلى تجارة مربحة، بل أيضًا على السياسات التعليمية التي سمحت بترسيخ هذه الظاهرة، في غياب مراقبة حقيقية أو بدائل فعالة داخل المدرسة العمومية. فلو كانت المدرسة تقوم بدورها في التكوين الجيد، لما اضطرت الأسر إلى هذا النزيف المستمر.
الواقع إذن يطرح أسئلة محرجة: كيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل تعليم رسمي عاجز وتعليم موازٍ مدفوع الثمن؟ وكيف يُعقل أن تتحول المدرسة من فضاء للتنشئة والتعلم إلى مجرد “بوابة عبور” نحو سوق الدروس الخصوصية؟
مقترحات عملية للخروج من الأزمة
لوقف هذا النزيف وضمان عدالة تعليمية حقيقية، تبرز مجموعة من الحلول الممكنة:
- تقوية المراقبة: عبر سنّ قوانين صارمة تنظم دروس الدعم خارج المؤسسات، وتمنع استغلال التلاميذ وابتزاز الأسر، مع فرض تتبع دوري لمدى التزام الأساتذة بمهامهم داخل القسم الرسمي.
- إطلاق برامج دعم مجانية داخل المؤسسات التعليمية: بتمويل عمومي ومن خلال تخصيص ساعات إضافية منظمة ومؤطرة من طرف أساتذة في نفس المدارس، بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع التلاميذ.
- تحسين جودة التعليم داخل الفصل: عبر تقليص الاكتظاظ، تحديث المناهج، إدماج تقنيات بيداغوجية حديثة، وتحفيز الأساتذة على تقديم الأفضل في أوقات العمل الرسمية.
- تشجيع المبادرات التضامنية: مثل فتح نوادي تربوية ودروس تقوية تشاركية بين التلاميذ، أو شراكات مع جمعيات المجتمع المدني لتوفير الدعم المدرسي المجاني.
بهذه الإجراءات، يمكن للمدرسة العمومية أن تستعيد دورها الطبيعي كفضاء للإنصاف وجودة التعلم، بدل أن تتحول إلى مجرد جسر إجباري نحو سوق تجارية تلتهم ميزانيات الأسر وتعمّق الفوارق الاجتماعية.








