
الدكتور الجامعي أبو الشتاء
في منعطف جديد من مسار التوتر داخل قطاع التعليم، اختار التنسيق النقابي لرؤساء المصالح والأقسام بوزارة التربية الوطنية رفع منسوب التصعيد، معلناً خوض إضراب وطني يمتد لثلاثة أيام متتالية، قبل الانتقال إلى وتيرة احتجاجية أسبوعية مفتوحة، في خطوة تعكس حجم الاحتقان الذي بلغته هذه الفئة داخل دواليب الإدارة التربوية.
هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة تراكمات مهنية وإدارية ظلت تتفاقم لسنوات، حيث يؤكد المعنيون أنهم وجدوا أنفسهم في قلب منظومة مثقلة بالإصلاحات المتتالية، دون أن يواكب ذلك أي اعتراف فعلي بأدوارهم المحورية أو تحسين لوضعهم المادي والتنظيمي. فبين ضغط التنزيل اليومي للبرامج، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، والسهر على استمرارية المرفق التربوي، تحولت مهامهم إلى عبء مفتوح بلا سقف واضح.
البيان الصادر عن التنسيق النقابي، الذي يضم أبرز الهيئات التعليمية، يضع أصبعه على ما يعتبره جوهر الأزمة: غياب إرادة حقيقية لدى وزارة التربية الوطنية في التعاطي الجدي مع الملف المطلبي، مقابل استمرار ما وُصف بسياسة “التجاهل والتسويف”. وهي اتهامات تعكس فجوة متسعة في الثقة بين الإدارة المركزية وأطرها الوسيطة، التي تشكل حلقة وصل حاسمة في تنفيذ السياسات العمومية التعليمية.
ولعل ما يميز هذا التصعيد، أنه لا يقتصر على الإضراب كآلية تقليدية للاحتجاج، بل يتجاوزه إلى أشكال تنظيمية دقيقة تمس تفاصيل العمل اليومي، من قبيل الانسحاب من قنوات التواصل غير الرسمية، ورفض التكليفات خارج الإطار القانوني، والتقيد الصارم بساعات العمل المحددة. وهي خطوات تحمل في طياتها رسالة واضحة: إعادة ضبط العلاقة المهنية وفق ضوابط قانونية، بعد سنوات من “المرونة القسرية” التي تحولت إلى استنزاف دائم.
في المقابل، يكشف هذا المسار الاحتجاجي عن مفارقة لافتة؛ فالفئة التي كانت تُوصف بأنها العمود الفقري للإدارة التربوية، باتت اليوم في موقع المواجهة مع الوزارة، مطالبة بإنصاف تعتبره الحد الأدنى من التقدير. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة المنظومة على الاستمرار بنفس الوتيرة، في ظل تزايد بؤر التوتر داخلها.
ومع اقتراب مواعيد الإضراب، تبدو كفة الانتظار معلقة بين خيارين: إما فتح قنوات حوار جاد تعيد الثقة وتُخفف منسوب الاحتقان، أو استمرار التصعيد بما يحمله من تداعيات محتملة على السير العادي للمرفق التعليمي. ففي النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمطالب فئوية، بل بتوازن دقيق داخل منظومة تُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في المجتمع.
هكذا، يدخل ملف رؤساء المصالح والأقسام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز: هل تستجيب الوزارة لنداء الإنصاف، أم تترك الأزمة تتجه نحو مزيد من التعقيد؟











