أعلنت لجنة نوبل في ستوكهولم، يوم الاثنين، منح جائزة نوبل في الطب لعام 2026 للعلماء كارل دايسروث، وبيتر هيغيمان، ويورغ ناغل، تقديراً لاكتشافاتهم التي أرست أسس علم البصريات الوراثية، أحد أبرز المجالات العلمية الحديثة التي أعادت تشكيل فهم الباحثين لعمل الدماغ والجهاز العصبي.
وجاء تتويج العلماء الثلاثة في افتتاح موسم جوائز نوبل لهذا العام، بعدما نجحوا في تطوير أدوات علمية تتيح للباحثين التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء، بما فتح آفاقاً واسعة لدراسة الذاكرة والمشاعر والحركة والخوف والإدمان، فضلاً عن الاضطرابات العصبية والنفسية.
وتبلغ قيمة جائزة نوبل في الطب 11 مليون كرونة سويدية، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار، يتقاسمها الفائزون، إلى جانب الميدالية الذهبية وشهادة الجائزة، على أن يتم تسليم الجوائز خلال مراسم نوبل التقليدية في ديسمبر المقبل.
وأوضحت لجنة نوبل أن الجائزة مُنحت تقديراً لاكتشافات العلماء المتعلقة بـالقنوات الأيونية التي يتم تنشيطها بالضوء، وهي اكتشافات شكلت الأساس العلمي لتقنية البصريات الوراثية، التي باتت أداة حاسمة في علوم الأعصاب الحديثة.
وتقوم الفكرة على استخدام بروتينات حساسة للضوء للتحكم في نشاط الخلايا العصبية. وبفضل هذه التقنية، أصبح بإمكان الباحثين تشغيل أو إيقاف دوائر عصبية محددة بدقة غير مسبوقة، ومراقبة تأثير ذلك على سلوك الكائن الحي، وهو ما سمح بإلقاء نظرة أكثر وضوحاً على الطريقة التي تتشكل بها الذكريات والانفعالات والاستجابات السلوكية.
تعود جذور هذا الإنجاز إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما كان العالمان الألمانيان بيتر هيغيمان ويورغ ناغل يدرسان قدرة أحد أنواع الطحالب وحيدة الخلية على التحرك باتجاه الضوء.
وخلال أبحاثهما، توصلا إلى بروتين يعرف باسم شانيل رودوبسين، يتموضع على سطح الخلية ويتفاعل مباشرة مع الضوء. وعند تعرضه للضوء الأزرق، يفتح قناة تسمح بمرور الأيونات المشحونة، ما يؤدي إلى توليد إشارة كهربائية داخل الخلية.
وكانت أهمية الاكتشاف تتجاوز بكثير دراسة كائن مجهري؛ إذ أظهرت النتائج أن إدخال الجين المسؤول عن إنتاج هذا البروتين إلى خلية أخرى يمكن أن يجعلها تستجيب للضوء، الأمر الذي فتح الباب أمام إمكانية التحكم في نشاط خلايا أخرى بواسطة الضوء.
وهنا دخل العالم الأمريكي كارل دايسروث على خط هذا الاكتشاف، حيث نجح في إدخال الجين المسؤول عن إنتاج بروتين «شانيل رودوبسين» إلى خلايا عصبية، ليتمكن لاحقاً من تنشيط تلك الخلايا باستخدام الضوء الأزرق.
وفي عام 2005، نشر دايسروث نتائج هذا العمل، قبل أن ينجح بعد عامين في تطبيق التقنية على خلايا عصبية داخل أدمغة فئران حية، في خطوة اعتُبرت تحولاً كبيراً في علوم الأعصاب، لأنها أتاحت التحكم في نشاط دوائر عصبية بعينها دون التأثير المباشر في بقية خلايا الدماغ.
لم تتوقف أهمية البصريات الوراثية عند حدود المختبر، إذ أصبحت التقنية وسيلة أساسية لدراسة العلاقة بين النشاط العصبي والسلوك.
فمن خلال تشغيل أو تعطيل مجموعات محددة من الخلايا العصبية، يستطيع العلماء اختبار دورها في عمليات معقدة مثل التعلم والخوف والحركة والإدمان والذاكرة، وهو ما ساعد على تفكيك بعض الشبكات العصبية المرتبطة باضطرابات الدماغ والجهاز العصبي.
وأكدت لجنة نوبل أن هذه التقنية أحدثت تحولاً جذرياً في فهم الدماغ، لأنها سمحت للباحثين بالتعامل مع دوائر عصبية محددة بدرجة من الدقة لم تكن متاحة في السابق.
ولا تقتصر الآفاق المستقبلية على البحث العلمي، إذ يجري استخدام البصريات الوراثية أيضاً في محاولات علاجية وتجريبية، من بينها جهود تهدف إلى استعادة جزء من القدرة على الإبصار لدى أشخاص يعانون من ضعف شديد في الرؤية.
كما يراهن الباحثون على إمكانية تطوير تطبيقات مستقبلية تساعد في التعامل مع أمراض عصبية معقدة، من بينها باركنسون والصرع، وإن كانت هذه الاستخدامات العلاجية لا تزال في مراحل البحث والتطوير ولا تعني توفر علاجات روتينية بهذه التقنية حتى الآن.
ويأتي تتويج دايسروث وهيغيمان وناغل بجائزة نوبل بعد اعتراف علمي بارز بأعمالهم، إذ سبق أن حصل دايسروث وهيغيمان عام 2021 على جائزة لاسكر تقديراً لإسهاماتهما في تطوير علم البصريات الوراثية، وهي من أبرز الجوائز العلمية التي غالباً ما تسلط الضوء على اكتشافات ذات تأثير استثنائي في الطب والعلوم الحيوية.
وبمنحهم نوبل الطب لعام 2026، تكرّم الأكاديمية العلمية مساراً بحثياً بدأ من سؤال بسيط حول كيفية استجابة طحلب مجهري للضوء، وانتهى إلى تطوير واحدة من أكثر الأدوات تأثيراً في محاولة فك أعقد ألغاز الإنسان: كيف يعمل الدماغ، وكيف تتحول الإشارات العصبية إلى ذاكرة وشعور وحركة وسلوك؟








